أبي الخير الإشبيلي
9
عمدة الطبيب في معرفة النبات
ونذكر من بين أوائل تلك المؤلفات المترجمة في الميدان الذي يعنينا كتاب « هيولى الطب في الحشائش والسّموم » الذي ألّفه ديسقوريدس العين زربي « 5 » ، نسبة إلى عين زربي ، وهي بلدة تقع اليوم في تركيا وتسمّى أنافارزا ؛ وديسقوريدس هذا يعدّ من أشهر حكماء العصور القديمة ، عاش في القرن الأول أو الثاني من التاريخ المسيحي ، قال عنه الطبيب ومؤرّخ العلوم الأندلسي أبو داود سليمان بن حسّان ابن جلجل : أنّه « شامي يوناني حشائشي . . . وهو أعلم من تكلّم في أصل علاج الطبّ ، وهو العلم في العقاقير المفردة ، تكلّم على سبيل التجنيس والتنويع ولم يتكلّم في الدرجات ، وألّف كتاب الخمس مقالات الذي لم يسبقه أحد إلى التكلّم في ذلك بمثل كلامه » « 6 » . وقد تولّى ترجمة كتاب ديسقوريدس إلى اللغة العربية اصطفن ابن بسيل ( القرن الثالث الهجري ) ، وأصلحه حنين بن إسحاق العبادي ( 260 ه / 873 م ) ، ثم أعيدت ترجمته في الأندلس بمعرفة هيأة من العلماء ، وبتكليف من الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر ( 300 - 350 ه / 912 - 961 م ) ، وقد حكى ابن جلجل قصة هذا النقل الجديد لكتاب ديسقوريدس عن أصله اليوناني بمعرفة هيأة علمية أسند إليها عبد الرحمن الناصر إنجاز هذه المهمة بمساعدة الراهب نيقولا الذي أوفده إمبراطور القسطنطينية لهذا الغرض بطلب من الخليفة الأموي ، وكان نيقولا يحسن اللّغتين اليونانية واللاتينية ، وقد جاءت هذه الترجمة الأندلسية أكثر دقة وأحسن عبارة من سابقتها ، وضبطت فيها أسماء الأعشاب بمعاينتها في منابتها بنواحي قرطبة للتأكد من مطابقة الأسماء لمسمياتها . واشترك في إنجاز هذا العمل الهام ثلّة من الأطبّاء والعشّابين الأندلسيين « 7 » . منهم عبد الرحمن بن الهيثم وحسداي بن شبروط وأبو عثمان الحزاز ومحمد بن سعيد الطبيب وأبو علي الصقلي الذي كان يتكلم باليونانية . وقد حظيت الترجمة العربية لكتاب ديسقوريدس باهتمام الأطبّاء والصيادلة والعشّابين في مشرق العالم الإسلامي ومغربه ، ولا أدلّ على ذلك من هذه المؤلفات المتعددة التي عني فيها أصحابها بالنقل عنه أو تفسير غوامضه وإصلاح أخطائه وإكمال
--> ( 5 ) « الفهرست » ، ص 351 ، ( طهران 1971 ) ؛ القفطي ، 126 ، ( دار الآثار ، بيروت ) ؛ ابن أبي أصيبعة ، ص 58 - 59 ( مكتبة الحياة ، بيروت ) ؛ « طبقات ابن جلجل » ، ص 21 ( تحقيق فؤاد سيد ، الطبعة الثانية ، 1985 ) . ( 6 ) « طبقات ابن جلجل » ، ص 21 . ( 7 ) ابن أبي أصيبعة ، ص 493 - 494 .